السيد محمد حسين الطهراني
29
معرفة الإمام
أوحاه الله إليه يغدو بين الأذهان بغير قيدٍ ، يُمسكه هذا ، وينساه ذاك ، ويتزيّد فيه ذلك ممّا يصيب غير المدوّن في كتابٍ محفوظ ؟ وهل يكون الرسول بعلمه هذا قد بلّغ الرسالة على وجهها ، وأدى الأمانة كاملة إلى أهلها ؟ ! وأين كان هذا الحديث عندما قال النبيّ في مرضه الأخير الذي انقلب بعده إلى ربّه ، وبعد أن نزلت الآية : « الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا » « 1 » : إنِّي وَاللهِ مَا تَمَسَّكُوا عَلَيّ بِشَيءٍ إنِّي لَمْ احِلَّ إلَّا مَا أحَلَّ القُرْآنُ ، وَلَمْ احَرِّمْ إلَّا مَا حَرَّمَ القُرْآنُ ؟ ! « 2 » ثمّ أين كان هذا الحديث عندما قال أبو بكر للناس : بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ فَاسْتَحِلُّوا حَلَالَهُ ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ ؟ ! وعندما قال عمر ، عندما طلب النبيّ صلى الله عليه وآله وهو يحتضر أن يكتب للناس كتاباً لن يضلّوا بعده : حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ ؟ ! وقال أبو ريّة : فإنّا نجد هؤلاء الصحابة لم يقف بهم الأمر عند ذلك ( الكتابة ) ، وإنّما كانوا يرغبون عن رواية الحديث وينهون عنها ، وأنّهم كانوا يتشدّدون في قبول الأخبار تشديداً قويّاً . روى الذهبيّ في « تذكرة الحفّاظ » قال : من مراسيل ابن أبي مليكة « 3 » أنّ أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيّهم فقال : إنَّكُمْ تُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ
--> ( 1 ) - الآية 3 ، من السورة 5 : المائدة . ( 2 ) - « سيرة ابن هشام » ج 4 ، ص 332 . ( 3 ) - « تذكرة الحفّاظ » ج 1 ، ص 3 . وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشيّ التميميّ المكّيّ . قاضي مكّة في زمن ابن الزبير . كان إماماً فقيهاً فصيحاً مفوّهاً . اتّفقوا على توثيقه . وممّن روي عنه الليث بن سعد ، توفّي سنة 117 ه - ؛ وص 63 من كتاب « التشريع الإسلاميّ » للشيخ محمّد الخضريّ .